مجمع البحوث الاسلامية
181
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقد استشكل هذا الحذر منهم وهم غير مؤمنين بالوحي ، وأجاب أبو مسلم عن هذا الإشكال بأنّهم أظهروا الحذر استهزاء . وأجاب الجمهور بما حاصله أنّ أكثر المنافقين كانوا شاكّين مرتابين في الوحي ورسالة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يكونوا موقنين بشيء من الإيمان ولا من الكفر ، فهم مذبذبون بين المؤمنين الموقنين والكافرين الجازمين بالكفر ، ومنهم من كان شكّه قويّا ، ومن كان شكّه ضعيفا . وتقدّم شرح حالهم وبيان أصنافهم في أوّل سورة البقرة . فراجع تفسيره وما فيه من بلاغة المثلين اللّذين ضربهما اللّه تعالى لهم . وهذا الحذر والإشفاق أثر طبيعيّ للشّكّ والارتياب ، فلو كانوا موقنين بتكذيب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما خطر لهم هذا الخوف على بال ، ولو كانوا موقنين بتصديقه لما كان هناك محلّ لهذا الخوف والحذر ، لأنّ قلوبهم مطمئنّة بالإيمان . [ إلى أن قال : ] قوله تعالى : مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ معناه أنّه مخرجه الآن بتنزيل هذه السّورة الّتي لم تدع في قلوبهم شيئا من مخبآت نفاقهم إلّا أخرجته وأظهرته لهم وللمؤمنين . ( 10 : 526 ) نحوه باختصار المراغيّ . ( 10 : 152 ) سيّد قطب : إنّ النّصّ عامّ في حذر المنافقين أن ينزل اللّه قرآنا يكشف خبيئتهم ، ويتحدّث عمّا في قلوبهم ، فينكشف للنّاس ما يخبئونه . وقد وردت عدّة روايات عن حوادث معيّنة في سبب نزول هذه الآيات . [ ثمّ ذكر الرّوايات فراجع ] ( 3 : 1672 ) عزّة دروزة : [ نقل الرّوايات في سبب نزولها إلى أن قال : ] والّذي يتبادر لنا أنّ الرّوايات الثّلاث لا تنطبق انطباقا تامّا على الآيات ، وأنّ فحوى الآية وروحها تلهم أنّها في صدد مجلس من مجالس المنافقين استغابوا فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وقالوا : ما حكته الآية الأولى من حذرهم على سبيل الهزؤ والتّفكّه . وعلم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأمرهم فعاتبهم فاعتذروا ، ومنهم من تاب وحسن إيمانه ، ومنهم من ظلّ مرتكسا في الكفر والنّفاق . وقد يكون هذا المجلس أثناء غزوة تبوك فجاءت الآيات منسجمة مع السّلسلة السّابقة واللّاحقة ، وإن كنّا نرجّح أنّها لم تنزل مستقلّة عن ما سبقها ، وأنّها جزء من السّلسلة ، وأنّ المجلس كان سابقا ، فتضمّنت الآيات حكايته والتّذكير به في جملة ما حكى ، وذكر به من مواقفهم وأخلاقهم ، في سياق التّنديد بهم على تثاقلهم عن الغزوة . وتكون الآيات والحالة هذه قد نزلت أثناء الغزوة ، واللّه أعلم . ( 12 : 182 ) مغنيّة : لم يحذر المنافقون حقيقة وواقعا من نزول الوحي في شأنهم ، وإنّما أظهروا الحذر على وجه الاستهزاء والسّخريّة . كانوا يطعنون في النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فقال بعضهم لبعض ساخرا : احذروا أن تنزّل في شأنكم سورة . والدّليل على أنّ هذا هو المراد قوله تعالى مهدّدا : قُلِ اسْتَهْزِؤُا هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنّ المنافقين لا يؤمنون بالوحي ، فكيف يحذرون منه على وجه الحقيقة ؟ وذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ الضّمير في ( عليهم )